الانفتاح الأجناسى فى قصص" روح الحكاية "
للكاتب الكبير منير عتيبة
بقلم : ماجدة قناوي
النص الأدبي هو النوتة الموسيقية للمؤلف وأداة العزف هى الكلمات التى يقدم بها منهجه الخاص للمتلقى ؛ فيغير فى أفكاره ومبادئه وقناعاته وتعد القصة القصيرة جدا من أهم الأجناس الأدبية التى تواكب عصرها لارتباطها الوثيق بالتحولات المعاصرة للإنسان فى شتى المجالات حيث انتقاله من عالم الهدوء والبساطة فى حياة البادية إلى فضاءات المدينة الواسعة وتغيراتها المتعددة وفى" روح الحكاية " للكاتب منير عتيبة كان لنا هذه الدراسة عن ثلاثة نصوص منها ونقدم ذلك فى نقاط رئيسية وهى : العنوان والسؤال العاصف لذهن المتلقى ، المميزات المرجعية ، والمميزات الدلالية والمميزات الجمالية لكل نص .
بداية اختار الكاتب عنوانا يحمل سؤالا ضمنيا يعصف ذهن القارئ من أول وهلة لقراءته ؛ فكانت " روح الحكاية " هى المعنى المقصود من كل نص يقدم ؛ فحين كان العنوان لنص " من أجل الحياة " كان السؤال الذي يطرق ذهن المتلقي هو ماذا حدث من أجل البقاء على الحياة ؟ وفى " رجل مهم " تُرى من هو الرجل المهم ؟ وفى " أحلام للآخرين " تُرى من الذى يحلم وما هذا الحلم ؟ فكان موفقا فى اختيار العنوان الرئيسي للمجموعة وكذلك النصوص وتعتبر نصوص عتيبة بمثابة وجبه دسمة تم تحليلها لتصبح عقارا سهل الهضم ومركز المفعول مقدما إياها للمتلقى على طبق من ذهب و بالرغم من صغر حجمها إلا أنها تطرح قضايا ذهنية وإشكاليات إنسانية متعددة وعويصة وذات قيم معرفية كبيرة .
وكما قال / هنري ديفيد ثورو :
" ليست القضية في أن تكون القصة طويلة ، بل سوف تأخذ وقتاً طويلاً لتصبح أقصر "
وبالنسبة للمميزات المرجعية وحيث أن القصة القصيرة جدا تحمل فى أبعادها المرجعية ورؤيتها المغلفة بالنزعة المشهدية التراجيدية موت الإنسان المعاصر وانبطاحه أخلاقيا فى ظل الإباحية ومفاتن المادة والحروب التى أطاحت بالشعوب العربية وتفاقمت معها القيم السلبية والظواهر المشينة ؛ لذا يحتاج المجتمع إلى تطهيره بالقيم الإيجابية والضمير وصفاء الروح ومنها استخدم الكاتب منهجية الإصلاح الذهنى ومرجعية المشهدية الضمنية المكثفة جدا لتتناسب مع منظور القصة القصيرة جدا حيث التركيز على الفكرة أكثر من السرد المشهدى والتفصيل والإسهاب .
فنجده فى " من أجل الحياة " يقول : كان يسن سيفه / يملأ خزانة مسدسه / يضغط زر قنبلته الذرية ؛ فاستطاع الكاتب أن يدمج عصور ما قبل التاريخ والعصر القديم والحديث معا فى ثلاث جمل بثلاث كلمات ألا وهى ( السيف والمسدس والقنبلة الذرية ) .
و فى " رجل مهم يقول : تجمد بطل الفيلم حائرا لا يدرى ما يفعل بالكرسى / سوف تتهدل خصلة شعره على جبينه العريض / طوال الخمسين عاما الماضية / أعرف أنه سيضرنا جميعا دون أن يصاب .... وهكذا.. فنجد أن هذا النص من النصوص التى لها مرجعية سياسية حيث يأخذنا الكاتب على جناح الخيال لنرى سردا لمشهد سينمائي بالغ التصوير يجسد أمام أعين القارئين كمشهد الثورات فى المجتمعات العربية كافة ومصر خاصة وكيف ثار العامة على الحاكم الظالم ، ولكن هل أتت الثورة بثمارها حقا أم وقف الحاكم الظالم بالكرسى لا يدري ماذا يفعل به والعامة تضحك على ثورتها ولا تدري ماهى فاعلة بعد ذلك ؟
ونجده فى " أحلام للآخرين " يقول : حلمت أننى تزوجت سلوى / تزوج حسن بسلوى.. حلمت أننى ترقيت إلى درجة مدير عام / ترقية عبد المقصود إلى درجة مدير عام بمرجعية وأسلوب صياغة ولغة لها بعد نفسى ومجتمعى بالغ الأهمية حيث الفرد وعلاقته بالآخرين وكيف يؤثر فيهم ويتأثر بهم .
أما بالنسبة للمميزات الدلالية وحيث أن القصة القصيرة جدا تتسم بمجموعة من الخاصيات والمميزات الدلالية التي تميزها عن القصة القصيرة والرواية وباقي الفنون والأجناس التي تعرفها نظرية الأدب .
فنجد خاصية التكرار عند الكاتب حين استخدم الكاتب نفس اللفظ " يقين " ثلاث مرات فى سطورها الثلاث الرئيسية دليل على الإصرار والعزيمة على تحقيق هدف معين للبقاء على قيد الحياة فأي يقين هذا الذي يدمر الآخر من أجل الحياة ؟!! .
ونجد خاصية الإسقاط فى " رجل مهم " .. فهل كان هذا المشهد يرصد القضية الفلسطنية أم ثورة الربيع العربي أم حارة من حوارى القاهرة الكبرى التى يتشاجر فيها الحرافيش من أجل " رجل مهم " ؟!! أخذنا الكاتب بهذا الإسقاط إلى خيال وآفاق بعيدة وعلى عقل المتلقى البحث عن المعنى والهدف .
ونجد خاصية السخرية حين استخدمها الكاتب ضمنيا وتلميحا للمعنى المقصود غير عابئ بالتهكم المباشر أو الفكاهة أو التنكيت والضحك وهى من أساليب السخرية أيضا .
ففى "من أجل الحياة" يقول ( فتنفست بعض الشك لتستمر الحياة ) أى حياة بعد هذا الدمار ؟! وفى رجل مهم يقول متهكما ( فقط سوف تتهدل خصلة شعره على جبينه العريض )( أبدا لم يتعلموا ) ( قهقهة الرجل الهزيل ) ( تجمد بطل الفيلم ) وفى أحلام للآخرين يقول ( قررت أن أحلم بموتى على أن يغسلنى (....) وكأن هذه النقاط تعبر ضمنيا عن الحلمين السابقين وأبطالهما وهنا وفق الكاتب أن يسخر ضمنيا من الواقع الملموس بتلميحاته البسيطة .
بينما نجد خاصية الإدهـــاش وهى خاصية هامة جدا بهذا الجنس الأدبي وناتجة عن الغموض والإضمار والحذف والتخيل وترك نقاطا فارغة ومفارقات تساهم فى إرباك المتلقى وجذبه للمشاركة فى النص وأجد الكاتب استخدم ذلك فى نص أحلام للآخرين فقط حين ترك مساحات النقاط الفارغة فى جملته .. قررت أن أحلم بموتى على أن يغسلنى (....) .
أما بالنسبة للمميزات الجمالية فمن ناحية التركيب النحوى نجد أن القصة القصيرة جدا تعتمد على الجمل البسيطة الفعلية للتدليل على الحركية والتوتر الدرامي وإثراء الإيقاع السردى وخلق لغة الحذف والإضمار والجمل الاسمية للتأكيد والتقرير والوصف وتبيان الحالة .. وعامة الجمل القصيرة الغرض منها البحث عن إيقاع سريـع يتناغم مع هذا الجنس الأدبي حيث الاختزال والحذف والإضمار وتشويق القارئ والابتعاد عن التطويل والإسهاب .
فنراه فى "من أجل الحياة " استخدم الفعل الماض (كان) دلالة على أن الأمر حدث بالفعل وكل ما هو آتٍ من أفعال فى المضارع كان يفعلها باستمرارية وتغير مستمر وهذا دليل على سرعة الزمن ومروره فنجده يقول : ( يسن / يملأ / يضغط )
ونجده فى " رجل مهم " يقول : ( تجمد) فعل ماض دليل على توقف الزمن والأحداث ( تتهدل ، يتناول ، يخبط ) يساندها من جانب آخر التسويف مما يدل على توقع رد الفعل لتكراره من قبل أمام عينيه فيستشرف المستقبل ويقول: ( سوف تتهدل ، سوف يخبط ) وأيضا خمسين عاما ( يرى ) هذا المشهد يتكرر..
وكذلك فى أحلام للآخرين يقول : ( حلمت ، ترقيت ، صدر ، تزوجت ) ( قررت ) حين قال قررت أن أحلم بلغة المضارع دليل على استمرارية الأحداث كنتائج حتمية لهذه الأحلام .
ومن ناحية الشكل نجد أن خاصية الحجـــم القصير أهم ما يميز القصة القصيرة جدا فنجده فى من " أجل الحياة " أربعة جمل فقط ، وتستغرق أكثر من نصف صفحة فى" رجل مهم" وهو مايسمى بالحجم الميكروسكوبي الذى يلجأ إليه كتاب القصة القصيرة جدا أو الومضة القصصية التى لا تتعدى سطر فى بعض الكتابات .
ومن ناحية خاصية الوصف نجد أن القصة القصيرة جدا لا تهتم بالوصف التصويرى القائم على التفصيل والإسهاب المتواجد بالرواية بل تعتمد على الصفات البلاغية المكثفة .
فنجده في من " أجل الحياة " حين استخدم المصطلحات الثلاث ( راسخ ، قوى ، لا يتزحزح ) بهذا التسلسل الذى يدل على الثبات على الفكرة الرئيسية وهى البقاء على الحياة ؛ فمن أجل الحياة علينا أن نحيا فى سلام أولا.
وفى " رجل مهم " يبدأ بالراوي الذى يرصد المشهد من بعيد ويحذر الجميع من عواقب الأحداث التى تمر أمام عينيه طوال خمسين عاما ولا أحد ينصت إليه ؛ فنراه يرسم بخياله مشهدا سينمائيا يحمل لغة الإسقاط السياسى والمجتمعى فهذه الصورة السينمائية البسيطة جدا كانت تحدث فى أفلام نجيب محفوظ مثل ملحمة الحرافيش؛ فيصور الشعب أو الطبقة الكادحة بهذا الفقير( الهزيل ) دليلا على الفقر الشديد والجوع ( المهمش ) الذى يضحك على حاله ولكنه يثير الضجيج ضد الحاكمين بهذه ( القهقهة ) رغم أنه ( صامت ) ( فى ركن قصى ) دليلا على الوحدة والخوف والاستسلام ( يتناول حبات الترمس ) .. بل يتناول حبات الصبر .. (تنفجر نافورة الدماء ) وكأنها فوهة بركان تنفجر .
وفى " أحلام للآخرين" يصف الحلم ويتبعه بنتيجة ، حلم و نتيجة ، ثم حلم ويترك للمتلقى استنتاج النتيجة المحيرة والمتوقعة حسب البعد النفسى لكل متلقى ومدى أهمية إحدى نتائج الحلمين بالنسبة له حين قال الكاتب ( قررت أن أحلم بموتى على أن يغسلنى (.....))
وكان الراوى فى القصص الثلاث مشاركا فى النص الأدبي بينما كانت البدايات بمرجعية نفسية " البطل يتحدث " وتبهرنا الخواتيم المتنوعة فجاءت واضحة فى من أجل الحياة ومفاجأة فى أحلام للآخرين ومعضلة فى رجل مهم .
ومن ناحية الانفتاح الأجناسي للقصة القصيرة يعتبر أهم خاصيات القصة القصيرة جدا ، حيث نجدها كالكبسولة القصيرة تستوعب مجموعة من الأجناس الأدبية والفنون المجاورة كتشغيل اللقطة السينيمائية ولمحة الخاطرة وسخرية النادرة ولغز التنكيت والسرد القصصي والروائي والصورة التشكيلية والتوتر الدرامي وكذلك أهم انفتاح للقصة القصيرة جدا هواستيعابها لفن الشعر حتى أن القصة قدمت عند الكاتب بشكل الشعر النثرى فى بعض النصوص مثل نص "من أجل الحياة" .
الكاتب الرائع منير عتيبة استطاع فى أقصوصاته الفنية الثلاث هذه أن يقدم لنا وجبة متكاملة ومشهدية رائعة السرد والإخراج مستخدما الرمزية بالكلمات الدلالية التى تخاطب العامة فى صورة الفرد؛ فالكل يحلم والكل يسعى ليكون مهما من أجل حياة أفضل ؛
غير أننى وجدت ما يثير الشك فى نفسى حين قال "فتنفست" ولا أدرى أكان يريد دمج البطل بشخصية الكاتب أو الراوى أم أنه أجدر به أن يقول ( فتنفس ) .
وكذلك تكرار جملة ( الخيزران الذى بيده ) فى نهاية قصة " رجل مهم " أراها زائده على النص .